عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

625

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

فإن قال أحمق متكلف : كيف يُحصر الناسُ في أقوال علماء ( متعينين ) ( * ) ويُمنع من الاجتهاد ، أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين . قِيلَ لَهُ : كما جمع الصحابةُ - رضي الله عنهم - الناسَ عَلَى حرفٍ واحد من حُروف القرآن ، ومنعوا الناس من القراءة بغيره في سائر البُلدان ؛ لما رأوا أنَّ المصلحةَ لا تتم إلا بذلك ، وأنَّ الناس إذا تُركوا يقرءون عَلَى حروفٍ شتَّى وقعوا في أعظم المهالك . فكذلك مسائلُ الأحكام وفتاوى الحلالِ والحرام ، لو لم تُضبط الناسُ فيها بأقوال أئمة معدودين ؛ لأدَّى ذلك إِلَى فساد الدين ، وأن يُعد كلُّ أحمق متكلف طلبت الرياسة نفسُه من ( زمرة ) ( * * ) المجتهدين ، وأن يبتدع مقالةٌ ينسبها إلي بعض من سلف من المتقدمين ؛ فربما كان بتحريف يُحرِّفه عليهم ، كما وقع ذلك كثيرًا من بعض الظاهريين ، وربما كانت تلك المقالة زلةٌ من بعض من سلف قد اجتمع عَلَى تركها جماعةٌ من المسلمين . فلا تقتضي المصلحةُ غير ما قدَّره الله وقضاه من جمع الناس عَلَى مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين رضي الله عنهم أجمعين . فإن قيل : الفرقُ بين جمع الناس عَلَى حرفٍ واحد من الحروف السبعة من أحرف القرآن وبين جمعهم عَلَى أقوال فقهاء أربعة ، أنَّ تلك الحروف السبعة ( كانت ) ( 1 ) يُقال : معناها واحد أو متقارب ، والمعنى حاص بهذا الحرف . وهذا بخلاف قول الفقهاء الأربعة ؛ فإنه يجوز أن يتفقوا عَلَى شيء ويكون الحق خارجًا عنهم . قيل : هذا قد منعه طائفةٌ من العُلَمَاء وقالوا : إِنَّ الله لم يكن ليجمع هذه الأمة عَلَى ضلالة . وفي ذلك أحاديثٌ تعضُد ذلك .

--> ( * ) معينين : " نسخة " . ( * * ) جملة : " نسخة " . ( 1 ) كذا ! ! .